ابن كثير

444

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عليهم فيعاقبهم ، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب ، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه ، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول : ألست جلدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب ، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر ، فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام في المحراب إلا احترق ، فمر ولم يسمع صوت سليمان ، ثم رجع فلم يسمع ، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق ، ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتا ، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ، ففتحوا عليه فأخرجوه . ووجدوا منسأته ، وهي العصا بلسان الحبشة ، قد أكلتها الأرضة ، ولم يعلموا منذ كم مات ، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ، ثم حسبوا على ذلك النحو ، فوجدوه قد مات منذ سنة . وهي في قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه ، فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا ، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم يطلعون على الغيب ، لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له ، وذلك قول اللّه عز وجل : ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ يقول : تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم ، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة : لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام ، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ، ولكنا سننقل إليك الماء والطين ، قال : فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت ، قال : ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب ؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكرا لها « 1 » . وهذا الأثر - واللّه أعلم - إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب ، وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق ، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق ، والباقي لا يصدق ولا يكذب . وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تبارك وتعالى : ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ قال : قال سليمان عليه السلام لملك الموت : إذا أمرت بي فأعلمني فأتاه فقال : يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة ، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير وليس له باب ، فقام يصلي فاتكأ على عصاه ، قال : فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكئ على عصاه ، ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت ، قال : والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي ، قال : فبعث اللّه عز وجل دابة الأرض ، قال : والدابة تأكل العيدان يقال لها القادح ، فدخلت فيها فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر ميتا ، فلما رأت ذلك الجن ، انفضوا وذهبوا ، قال : فذلك قوله تعالى : ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ قال أصبغ : بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر ، وذكر غير واحد من السلف نحوا من هذا ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 10 / 358 ، 359 .